أميركا والعالم المسطح

مايو 14th, 2008 كتبها أحمد الحربان نشر في , نظرة في كتاب

121080
هذا عنوان أحد أبواب كتاب (العالم مسطح) للصحفي الأميركي المخضرم توماس فريدمان، و”الخَضرَمَة” هنا لا تعني أننا نبصم على كل ما يطرحه من آراء. الكتاب ضخم، يقع في 511 صفحة، يحتوي على الكثير من المعلومات القيّمة، ينتصر فيه الكاتب –طبعاً- لآراءه في قضايا عديدة. وقيمة الكتاب الحقيقية تتمثل في الكم الهائل من شهادات وآراء عدد كبير من الرؤساء التنفيذيين والمدراء في شركات عالمية كبيرة، يصعب على صحفي غير فريدمان أن يصل إليهم ويجمع آرائهم.
“العالم مسطح”، أي انفتاح الدول على بعضها، وذوبان الحدود، وسرعة التفاعل بين الناس في مختلف أنحاء العالم، وازدياد اللاعبين والمتبارين في الملعب العالمي، الاقتصادي والتعليمي والتكنولوجي وغيره من ملاعب تتنافس فيها الدول لإحراز السبق والبقاء في الصدارة، كل ذلك نتيجة الثورة التكنولوجية، باختصار التسطّح مرحلة ما بعد تلك التي كنا نسميها “العالم قرية صغيرة” !
111fri
يأتي هذا الباب (أميركا والعالم المسطح) في منتصف الكتاب تقريباً، وبعد أن انتهيت من قراءة نصفه الأول خطرت في بالي فكرة تلخيص الأبواب القادمة! وما لا يدرك كله لا يترك جله. فشرعت في التلخيص بنقل أهم الفقرات التي توجز الفكرة.
أميركا والعالم المسطح
أميركا والتجارة الحرة
يتحدث الكتاب كثيراً عن تلزيم الأعمال للخارج، بل يمكننا القول أن ذلك هو موضوع الكتاب، وهي عملية نقل الأعمال التي يمكن نقلها إلى أماكن تكون الكلفة فيها أقل –وما استنتجوه أصحاب الأعمال أيضاً أن الجودة تكون أعلى كذلك-، وهي الأعمال التي يمكن تحويلها إلى 0 و1، وهي كثيرة جداً، احتوى الكتاب على عدد كبير من الأمثلة، كمراكز الاتصال، وتصميم البرامج، وغيرها. وفي هذا الباب يناقش الكاتب تأثر الولايات المتحدة من هذه العملية، باعتبارها أحد العوامل التي يجب عدم إغفالها قبل اتخاذ أي وجهة نظر حول مكاسب أميركا من التجارة الحرة.
“السؤال الرئيسي لانسبة لي هو: هل تنقع التجارة الحرة أميركا ككل عندما يصبح العالم مسطحاً جداً ويستطيع عدد أكبر من الناس أن يتعاونوا، ويتنافسوا، مع أولادي؟ يبدو أن العديد من الوظائف ستصبح مفتوحة لمن يشاء. ألن يكون الأميركيون الأفراد أفضلاً حالاً إذا نصبت حكومتنا بعض الجدران ومنعت بعض التلزيم ونقل الأعمال؟”
ثم يناقش المؤلف الرأيين المختلفين حول تلزيم الأعمال، فرأي يرى أن تلزيم الأعمال لم يقتصر في مجال السلع، بل حتى الخدمات أصبحت قابلة للتبادل. وهذا يعني أن أمريكا ودول متقدمة أخرى ستتراجع تراجعاً مطلقاً وليس نسبياً في قوتها الاقتصادية ومستويات معيشتها. ورأي آخر يقول –وهو الرأي الذي ينتصر له المؤلف- : “قد تكون هناك مرحلة انتقالية في بعض الحقول، تتراجع خلالها الأجور، لكن ليس هناك سبب للاعتقاد بأن هذا الانخفاض سيكون دائماً أو في جميع المجالات … والقول إن هذا ما سيحدث هو إثارة لما يسمى نظرية كتلة العمالة، وهي فكرة ترى بأن هناك كتلة عمل ثابتة في العالم وأنه ما أن تُلتهم هذه الكتلة، من قبل الأميركيين أو الهنود أو اليابانيين، لن يكون هناك مزيد من الوظائف المعروضة. وإذا كان لدينا أكبر كتلة من العمل اليوم، وعرض بعد ذلك الهنود تأدية هذا العمل نفسه بتكلفة أقل، فسينالون قطعة أكبر من الكتلة، وسنحصل على قطعة أصغر”.
يواصل مفنداً هذه الحجة “إن السبب الرئيسي لخطأ نظرية كتلة العمل هو أنها تقوم على فرضية أن كل ما سيتخرع قد اختُرع، وأن المنافسة الاقتصادية لذلك مباراة ذات مجموع صفري، أي معركة على كتلة ثابتة”.
تلخص هذه الفقرة رأي الكاتب: “لذلك ستنجح أميركا ككل في العالم المسطح بالتجارة الحرة، شرط أن تواصل إنتاج عمال معرفة قادرين على إنتاج سلع قائمة على أفكار يمكن أن تباع عالمياً وبوسعهم شغل وظائف المعرفة التي ستُستحدث فيما نوسّع الاقتصاد العالمي ونربط بين كل مجموعات المعرفة في العالم. قد يكون هناك حد لعدد الوظائف الصناعية الجيدة في العالم، لكن ليس هناك حد لعدد الوظائف المولّدة عن طريق الفكر في العالم“.
البعيدون المنال
“هناك رسالة واحدة فقط: عليك الارتقاء بمهاراتك على الدوام. فسيكون هناك الكثير من الوظائف الجيدة في العالم المسطح التي يحصل عليها ذوو المعرفة والأفكار”.
يقدم الكاتب نصيحته لبناته: “نصيحتي إليهن في هذا العالم المسطح قيرة جداً وصريحة جداً: (يا بنات، حين كنت أكبر، كان أهلي يقولون لي، “طوم، أنهِ العشاء، الناس في الصين والهند جائعون”. نصيحتي إليكن: يا بنات، أنهين فروضكن المدرسية، الناس في الصين والهند جائعون لوظائفكن)”.
البعديون عن المنال هم الأشخاص الذين لا يمكن تلزيم وظائفهم –نقلها إلى الخارج-، ويقسمهم الكاتب إلى أربع فئات واسعة :
1-    العمال “المتميزون“: أشخاص مثل مايكل جوردان، وبيل غيتس، وغيرهما، لديهم سوق عالمية لسلعهم وخدماتهم ويمكن أن يطلبوا أجوراً عالمية. وهم قلة قليلة.
2-    العمال “المتخصصون“: ينطبق على كل أنواع عمال المعرفة، من المحامين المتخصصين والمحاسبين وجراحي الدماغ، إلى المصممين ومهندسي برمجيات الحاسوب المتقدمة.
3-    العمال “المثبّتون“: الذين يجب أن يعملوا في موقع معين، كالحلاق، النادلة، طباخ، سباك، وغيرها كثير جداً.
4-    العمال “المتكيّفون“: إذا لم تستطع أن تكون أحد الأنواع الثلاثة السابقة لئلا يلزم عملك إلى الخارج. عليك أن تصبح متكيفاً. عليك على الدوام أن تكتسب مهارات جديدة، ومعرفة، وخبرة تمكنك بشكل دائم من أن تكون قادراً على ابتكار القيمة – شيء أكثر من العمل العادي.
“(قابلة للاستبدال) كلمة يجب تذكرها، ففي عالم مسطح هناك “عمل قابل للاستبدال وعمل غير قابل للاستبدال”. العمل الذي يمكن أن يحوّل إلى أقرام بسهولة وينقل إلى مواقع الأجر المتدنية قابل للاستبدال. والعمل الذي لا يمكن أن يحوّل إلى أرقام أو يُستبدل بسهولة غير قابل للاستبدال. رمية مايكل جوردن أثناء القفز غير قابلة للاستبدال. وتقنية جراح مجازة القلب غير قابلة للاستبدال. وعمل عامل في خط تجميع للتلفزيونات قابل للاستبدال الآن. والمحاسبة الأساسية وتهيئة الضرائب قابلة للاستبدال الآن”.
ثم يذكر الكاتب أسرار صلصلة أميركا الحقيقية التي جعلتها في مكانة متقدمة في هذا العالم المسطح، ألخصها في نقاط :
1-    الجامعات الأميركية ونظامها.
2-    كفاءة أسواق رأس المال.
3-    الانفتاح المطلق للمجتمع الأميركي.
4-    نوعية حماية الملكية الفكرية الأميركية.
5-    قانون العمل الأميريكي، الأمثر مرونة في العالم.
6-    أكبر سوق استهلاكية محلية في العالم.
7-    الاستقرار السياسي الأميركي.
8-    أصبحت أميركا واحدة من نقاط الاجتماع العظيمة في العالم.
ولا أود أن يفوتني هنا نقل هذه الفقرة، لمعرفة الفرق في حصاد نظام تعليم الجامعات الأميركية مقارنة بغيرها من الجامعات، “وقد أجرى قسم الاقتصاد في بنك بوسطن دراسة حملت عنوان “إم آي تي[1]: تأثير الإبداع”. ومن بين استنتاجاتها أن خريجي MIT أسسوا أربعة آلاف شركة، مستحدثين 1.1 مليون وظيفة حول العالم على الأقل، ومولدين مبيعات تبلغ 232 مليار دولار“.
ويختم الكاتب هذا الفصل بإنذار الأميركيين: “هل ما زلنا نبذل الجهود؟ هل نهتم بأسرار صلصتنا؟ لا تزال أميركا تبدو عظيمة على الورق … لكن هل نستثمر حقاً في مستقبلنا ونهيئ أولادنا كما يجب للسباق المنتظر؟ … الجواب هو لا”. أتساءل هنا، ماذا عسى يكون جوابنا نحن ؟!
الأزمـة الصامتـة
“يتناول هذا الفصل كيف أننا نحن الأميركيون، على الصعيدين الفردي والجماعي، لم نكن نقوم بما يجب أن نقوم به وما الذي سيحدث على الطريق إذا لم نغيّر مسارنا”.
يركز الكاتب هنا على قضية طلبة الرياضيات الهندسة والعلوم والفيزياء، وتراجع نسبة الحاصلين على الشهادات العليا في هذه المجالات مقارنةً مع دول أخرى منافسة، وفي مقدمتها الصين والهند. ويتناول الموضوع بطرح ثلاثة أسرار قذرة –كما يسميها- تمثل الخطر الذي يواجه أميركا.
السر القذر الأول: هوّة الأعداد
 ”تشير عالمة الفيزياء شيرلي آن جاكسون إلى أن (التشدد النسبي على العلوم والهندسة أكبر في البلدان الأخرى –مما هو عليه في أميركا-). وتشكل شهادات العلوم والهندسة الآن 60% من كل الشهادات الممنوحة في الصين، و33% في كوريا الجنوبية، و41% في تايوان. بالمقابل، تبقة النسبة المئوية للذي يحصلون على شهادة في العلوم والهندسة في الولايا

المزيد


ديمقراطية بلا حجاب

فبراير 12th, 2008 كتبها أحمد الحربان نشر في , نظرة في كتاب

خلفية المشهد الوقح.. تصفيق ممسوخون من رجال ونساء.. وعويل نشاز يقول (أخرجي.. أخرجي.. أخرجي).. والمرأة التي تعود إليها "الياء" جالسة مبتسمة باستغراب، يكاد الذهول أن ينقلها إلى عالم آخر، وأشك أنه لم يفعل للحظات على الأقل !
هكذا استقبل البرلمان التركي في 2 مايو 1999، أول مسلمة محجبة يختارها الشعب لتمثيله والدفاع عن حقوقه والسعي لتطوير بلاده. فقط لأنها ترتدي حجاباً! ولا يمنعها من ذلك لا دستور الدولة، ولا النظام الداخلي للبرلمان، ولا رأس فيه شيء من عقل !
بدأ نواب حزبها (الفضيلة) بالمواجهة: (أدخلي.. أدخلي.. أدخلي)! وبقي البقية صامتون، وهي تنظر إلى صمتهم في حيرة: (لماذا يصمت هؤلاء؟! أليس زوجاتهم وأخواتهم أو بنات أقاربهم أو حتى بناتهم نساء محجبات مثلي؟!).
يقف زعيم الممسوخين "أجويد" على المنصة: (رجاءاً أوقفوا هذه المرأة عند حدها!)، وتبدأ أبشع عمليات الإقصاء، وتتوالى الأحداث سريعة بعد هذا المشهد المخزي..
تخرج من القاعة، على أمل أن تعود ليلاً لأداء القسم، ولكن الحزب يمنعها بطريقته! وهي تتفهم الموقف، دون أن تملك أدنى قناعة بما يفعله قادة حزبها، وترد على أختها "روضة" التي أتصلت تتساءل عن سبب عدم دخولها للقاعة: (يا روضة، لقد انتهى!! إن أكابر الحزب خائفون!!).
ماذا عن زميلتها، المحجبة الأخرى، من حزب آخر غير الذي تنتمي إليه؟! لقد وقفت تؤدي القسم، مكشوفة الرأس! وهي التي كانت بالأمس القريب تقول كما يتشدق رجال حزبها، بأنهم سيجدون حلاً لمسألة الحجاب! وتصرح فيما بعد: (شعرت بأنني كنت عارية) !
تقرأ بياناً صحافياً في اليوم الثاني، جاء في ختامه: (أيها السادة المحترمون، اعلموا أنني سأدافع عن حق التمثيل الشريف الذي منحني إياه شعبي بما يتناسب مع طبيعة امرأة شريفة، سوف أواصل طريقي بهذا الشكل الذي أنا عليه إلى النهاية، مع مراعاة مساحة الديمقراطية وبما ينسجم مع القوانين).
وتدخل في لعبة قذرة لم تتصور يوماً حجمها، وتصبح مادة الإعلام التركي بكل وسائله، وتترك الأضواء "تشكيل الحكومة" والقضايا الهامة التي ينتظر الشعب التركي المسالم "لحلحتها"، وتتسلط على مروة القواقجي، بكل ما في هذه الأضواء من كذب وزيف ودناءة وتضليل !
وينسحب عنها الحزب شيئاً فشيئاً حتى تصبح وحيدة وسط دوامة لا يقوى عليها كثيرٌ من الرجال، رغم أنها لم تكن عضوة عادية في الحزب، حيث بدأت حياتها السياسية معه في عام 1994، وأصبحت فيما بعد رئيسة العلاقات الخارجية، أي ممثلة للحزب في الكثير من المؤتمرات واللقاءات الإقليمية والعالمية، ولدى المنظمات الدولية.
يصرح رئيس الدولة "دميرال" في التلفزيون، وهو كاذب: (إن مروة قواقجي هي السبب في هذه البلبلة)!.. يفتش الإعلام في حياتها مع زوجها السابق.. ويتعاون الزوج السابق!.. يستقبل الطلبة الصغار بعد أن تلقوا توجيهاً - وما أسهل الضحك على الأطفال - ابنتيها في المدرسة: (تركيا علمانية وستظل كذلك)!.. لا تستطيعان الخروج إلى فناء المدرسة في الفسحة.. فتخرج الطلفتان

المزيد


زمن الخيول البيضاء

يناير 5th, 2008 كتبها أحمد الحربان نشر في , نظرة في كتاب

من أجمل ما قرأت عن فلسطين كتاب (فلسطين.. التاريخ المصور)، وهو كتاب منتشر للدكتور طارق السويدان، الذي يعرض فيه "قصة فلسطين" بتسلسل تاريخي منظم. لأوقات طويلة تأمَّلت الصور الكثيرة الذي احتواه الكتاب، فالصورة في أحيان عديدة أبلغ من صفحات !
لكنني لم أتأثر بقصة سرقة هذا الوطن كتأثري بكتاب (زمن الخيول البيضاء)، حيث الكلمات تكشف لك ما لا تراه العين المجردة في الصور! وما حرفة الكاتب الفنان إن لم تكن هذه ؟!
زمن الخيول البيضاء.. رواية جديدة للكاتب إبراهيم نصر الله (الطبعة الأولى: أكتوبر 2007)، وهي آخر رواية من سلسلة روايات (الملهاة الفلسطينية) التي يحكي فيها هذا الكاتب المتميز بحق قصة وطن سُرِق، وناس أقتُلَعوا.. بتفاصيل حياة الفلاحين البسيطة، بعيداً عن التحليلات السياسية، والكلام الجاف الذي نقرأه، ونسمعه، ونشاهده ليل نهار في صفحات الجرائد ونشرات الأخبار عن "مدينة الصلاة".
يقول الكاتب في كتاب آخر (أقل من عدو أكثر من صديق.. السيرة الطائرة): "إذا ما أراد الغرب أن يفهمنا حقاً فإن عليه أن يكفَّ عن الاستماع لنفسه، وأن يتركنا نتحدث بصدق عما يحدث فينا، وأن يتقبّل حقيقة قول الصدق حتى وإن لم يأخذ بها في النهاية".  ترجمة هذ الرواية وأمثالها، وتسويقها في المكتبات الغربية، من أبلغ الأساليب في نشر الوعي بمواجع أمتنا هناك، لأنهم شعوب يهتمون بالكتاب وبالقراءة، فهل تعي حكوماتنا ذلك وتخدم هذه الكتب نشراً وتسويقاً على نطاق عالمي؟
من تقريض الناشر على غلاف الرواية: (رواية ملحمي

المزيد


العراق.. منطق الانسحاب

أغسطس 4th, 2007 كتبها أحمد الحربان نشر في , نظرة في كتاب

العراق.. منطق الانسحاب
8 حجج توجب على الولايات المتحدة الانسحاب الفوري من العراق
 
   على غرار (فيتنام.. منطق الانسحاب) لمؤلفه المؤرخ الأميركي "هوارد زن"، مناهض الحرب، وصاحب الكتاب المشهور (تاريخ الولايات المتحدة) الذي انتشر انتشاراً واسعاً، أصدر الكاتب "أنتوني آرنوف" العام الماضي (العراق.. منطق الانسحاب).
 
   يحتوي الكتاب على سبعة فصول، إضافة لمقدمة ومقال في نهاية الكتاب بعنوان (وماذا بعد؟ حول الاستثنائية الأميركية) بقلم زن، وفي النهاية ملحق: إعلان اسطنبول – إعلان محكمي الضمير، المحكمة العالمية حول العراق.
 
   ألخص لكم في الفقرات التالية أهم فصل من فصول الكتاب، والذي عنونه المؤلف بعنوان الكتاب "منطق الانسحاب"، حيث قدم فيه الحجج التي توجب على الولايات المتحدة أن تنسحب فوراً من العراق. والسبب الذي دفعني لهذا التلخيص ونشره هو الفكرة التي يحملها عدد ليس قليل من الناس التي تقول أن الانسحاب الأميركي من العراق أمراً خاطئاً في هذه المرحلة. لا أملك الجرأة في تصحيح وتخطئة هذا الرأي أو ذاك، فلست أهلاً للإفتاء في هذه المسائل العظيمة، ولكني في الحقيقة أؤمن بوجهة نظر الكاتب، وبشدة! بل ربما أستغرب ممن لا يؤمن بها، وبشدة أيضاً!
 
يقول هوارد زن في تقديمه للكتاب:
   "بعد سنتين من التصعيد الأميركي في فيتنام، في ربيع عام 1967، ألفت كتاباً بعنوان (فيتنام: منطق الانسحاب). وكان أول كتاب عن الحرب، الذي حث على رحيل فوري من جنوب شرق آسيا، وسمعت في ذلك الوقت الحجج نفسها ضد الانسحاب، والتي نسمعها الآن، ولم تسحب الولايات المتحدة جنودها طوال ست سنوات لاحقة، وفي تلك السنوات، قتل ما لا يقل عن مليون فيتنامي آخر وربما 30 ألف جندي أميركي."
 
   ومما سطره أيضاً في مقدمته القصيرة، هذا السؤال الاستنكاري: "هل أدى احتلالنا لمدة خمسين سنة للفلبين أو احتلالنا الطويل لهاييتي (1915 – 1934) وجمهورية الدومينيكان (1916 – 1924) أو تدخلاتنا العسكرية في جنوب شرق آسيا ومنطقة الكاريبي، طوال القرن العشرين، إلى تحقيق الديمقراطية في تلك الأماكن؟".
 
   استعرض الكاتب في بداية الفصل السادس "منطق الانسحاب" بعض نتائج استطلاعات الرأي التي قامت بها عدد من وسائل الإعلام الأميركية، والتي تبين بعض المؤشرات المهمة منها: معظم الأميركيين يشكون في صدق بوش ونزاهته، ولا يوافقون العمل الذي يقوم به كرئيس، كما يعتقد نصف الأميركيين تقريباً أن الغزو كان غلطة.
 
   ولكنه يبدي أسفه مستغرباً "نحن نواجه الوضع الغريب لكثير من الناس الذين يحتشدون ضد حرب غير عادلة لكنهم يؤيدون على مضض، الاحتلال العسكري الناجم عنها".
 
ثم أورد ثمانية أسباب توجب –حسب رأيه- على الولايات المتحدة أن تنسحب على الفور:
 
1- ليس للجيش الأميركي أي حق في وجوده في العراق في المقام الأول
   دحض الكاتب -كما فعل كثيرون غيره- التبريرات التي أطلقها دعاة الحرب لتبرير جرمهم: أسلحة دمار شامل، صدام يشكل تهديداً وشيكاً، دعم الإرهاب والإرهابيين. ونقل تصريحاً لرولف ايكوس، المدير التنفيذي التابع للأم المتحدة لعمليات التفتيش عن الأسلحة من 1991-1997م قال فيه: (يمكنني القول إننا قضينا بشكل أساس على قدرات العراق في جميع المجالات). ونقل أيضاً تصريحاً مهماً آخر لنائب الرئيس ديك تشيني للـ CNN صدر في آذار 2001: (لا أعتقد أن لصدام حسين تهديد عسكري مهم في هذه الأيام).
 
2-   الولايات المتحدة لا تجلب الديمقراطية للعراق
   بعد كذبة أسلحة الدمار الشامل جاءت الولايات المتحدة بكذبة جديدة، أنهم يجلبون الديمقراطية للشعب العراقي. ولكن الأسباب الحقيقية وراء الاحتلال حسب رأيه يمكن أن ألخصها في سببين رئيسيين، الأول: "السيطرة على النفط وخطوط أنابيب النفط وطرق شحن النفط بالسفن". وذلك للتضييق على المنافسين، وأبرزهماالعملاقين الاقتصاديين الصاعدين، الهند والصين. كما ذكرت وثيقة حكومة بوش: "إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة"، في أيلول 2002 فإن أميركا لن تسمح بظهور أي منافس محتمل، في سعيها إلى الإبقاء على الفجوة الكبيرة بينها وبين القوى الأخرى". أما السبب الثاني فيكمن في "استغلال الطرق كنقطة انطلاق من أجل تدخلات أخرى لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط".
 
   ويقول الكاتب بعد أن فند حجة جلب الديمقراطية للعراق: "من المهم إثارة نقطة أكبر، فالديمقراطية لا يمكن إقامتها على يد قوى خارجية تحت تهديد السلاح. ولا يمكن أن تأتي الديمقراطية الحقيقية إلا عن طريق كفاح الشعب من أجل التحكم بحياته وظروفه، من خلال حركا

المزيد


كلنـا فـداكِ

يناير 31st, 2007 كتبها أحمد الحربان نشر في , نظرة في كتاب

في اليوم الثامن من شهر يونيو عام 1939م خرجت من البيت عصرا لألتقي بأصحابي في القهوة الشعبية القريبة من الحي، وبعد أن جلست على الكرسي الخشبي الطويل ناولني بومبارك –الصديق الجار- عدد اليوم من جريدة البحرين، العدد الرابع عشر، طارت عيني على العنوان التالي (شعور البحرين نحو نكبة فلسطين) وعنوان آخر (سمو الشيخ عبدالله بن عيسى يترأس لجنة الإعانة.. أميران جليلان في عضوية اللجنة).. لم أتمالك نفسي.. شرعت في قراءة الخبر بسرعة الصاروخ! فقرأت بيان تأسيس اللجنة وأسباب تأسيسها وأسماء مؤسسيها، وجاء في البيان قراران أحدهما: "عقد اجتماع عام بعد ظهر يوم الجمعة الساعة 9:30 في فناء مسرح البحرين (سينما البحرين) يدعى له من يتوسم فيه النخوة والأريحية لجمع التبرعات، وقد طبعت بطاقات أرسلت إلى المدعوين." 
طرت فرحا بعد قراءتي خبر تشكيل اللجنة وقلت: أخيرا يمكننا أن نقدم شيئا لدعم أخواننا الفلسطينيين، ثم صحت على صاحب القهوة بصيحة ملؤها نشوة الفرح (هات لي استكانة شاي.. وهات للربع بعد.. على حسابي).
ومن خلال قراءتي لأسماء مؤسسي اللجنة علمت أنها برئاسة الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة ، وشارك فيها عدد من كبار أعضاء الأسرة الحاكمة، وكبار تجار وأعيان البلد من الطائفتين السنية والشيعية.
عدت للجريدة أقرأ النداء، أي نداء؟! جاء بجانب بيان اللجنة:
نـداء عـام
وما تنفقوا من خير تجدوه عند الله!!
فلسطين أيها الشعب!
اليوم يوم الإسلام. اليوم يوم العروبة. اليوم يوم الصدقة. اليوم يوم الإحسان. اليوم يتقرب إلى الله محبوه، واليوم يؤدي واجب الوطن بنوه. اليوم تكتب صحيفتك أيها الشعب بين صحائف الشعوب العربية والإسلامية، واليوم يتجلى ما أنت عليه من دين وعاطفة وكرم ونجدة!! فلسطين أيها العرب فلسطين! يا أتباع محمد.. إنها نكبة لم يشهد التاريخ مثلها حلت بأمتك ودينك وعروبتك، وقد وُكِل إليك اليوم تخفيف بعض أعبائها والإشفاق على ضحاياها. في فلسطين إخوانكم في الدين وإخوانكم في العروبة أمضوا السنين الطوال والأذى يصب عليهم بما لم يلاقه أحد من قبل، ويتحملون منه ما لا يستطيع البشر حمله، لو لا الثقة بالله. ألوف من أنفسهم العامرة بالإيمان زهقت، ودماء زكية بُعد أريقت في سبيل الوطن في الجهاد والشهادة. تاركة وراءها من الأرامل والأيتام عشرات من الألوف لا يجدون من الطعام ما يأكلون، ولا من المأوى ما يسكنون، ولا من الثياب ما يلبسون. حفاة عراة، فراشهم الأرض وغطاءهم السماء.. –هنا أخواني القراء وقف شعر جنبي-  هذه حقائق واقعة شهد بها الأعداء قبل الأصدقاء، فليس فيها أثر للمبالغة، ولا زيادة عن الواقع.. منازل مهدومة، وأموال مسلوبة، ومئونة مبعثرة، وأثاث تلتهمه النيران.
كل هذا، وما هو واقع أكثر من هذا، لم يزدها إلا استماتة في الدفاع عن بلادكم المقدسة، خوفاً من أن ينطفئ فيها نور الإسلام، وينهدّ صرح العروبة، ودفاعا عن المسجد الأقصى المبارك؛ أولى القبلتين وثالث الحرمين ومهد سيدنا عيسى عليه السلام.
فإذا كنتم لم تنفروا للجهاد بالنفس، فسارعوا إلى غوث أيتام الشهداء وأراملهم بالمال، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.
انتهى النداء، وامتزجت حينها مشاعر السرور والأسى، فرحا بفتح جبهة رسمية لنصرة أخواننا في فلسطين، وحزنا على ما يلاقيه أخواننا هناك. اللهم أنصر إخواننا في فلسطين على أعداءهم.
انتظرت يوم الغد بفارغ الصبر، وجاء الغد سريعا، وكأنه هو أيضا كان ينتظر الحدث بفارغ صبره! وصلت للمكان (سينما البحرين) متأخرا، وإذ بالحضور الكثيف، يتقدمهم كبار القوم من شيوخ وعلماء وتجار، وقفت أتابع وأراقب، لم ألحق على الحفل من بدايته –للأسف هذه عادتي مع المواعيد، تقريبا كلها!- وبعد أن انتهى خطاب الشيخ عبد الحسين الحلي سألت من كان بجانبي: (ماذا فاتني؟). قال: (فاتك كلمة رئيس اللجنة الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة ألقاها الصحفي عبدالله الزائد –صاحب جريدة البحرين- وفاتك خطاب الشيخ عبداللطيف السعد). ثم وقف الشاعر الشاب عبدالرحمن المعاودة، وألقى قصيدة حماسية أذكر منها:
ومـــا راعنــي إلا دمــاء زكيــــة ٌ
تراقُ وخطبٌ في فلسطيــنَ قـائــمُ
هنـ

المزيد


السابق