
هذا عنوان أحد أبواب كتاب (العالم مسطح) للصحفي الأميركي المخضرم توماس فريدمان، و”الخَضرَمَة” هنا لا تعني أننا نبصم على كل ما يطرحه من آراء. الكتاب ضخم، يقع في 511 صفحة، يحتوي على الكثير من المعلومات القيّمة، ينتصر فيه الكاتب –طبعاً- لآراءه في قضايا عديدة. وقيمة الكتاب الحقيقية تتمثل في الكم الهائل من شهادات وآراء عدد كبير من الرؤساء التنفيذيين والمدراء في شركات عالمية كبيرة، يصعب على صحفي غير فريدمان أن يصل إليهم ويجمع آرائهم.
“العالم مسطح”، أي انفتاح الدول على بعضها، وذوبان الحدود، وسرعة التفاعل بين الناس في مختلف أنحاء العالم، وازدياد اللاعبين والمتبارين في الملعب العالمي، الاقتصادي والتعليمي والتكنولوجي وغيره من ملاعب تتنافس فيها الدول لإحراز السبق والبقاء في الصدارة، كل ذلك نتيجة الثورة التكنولوجية، باختصار التسطّح مرحلة ما بعد تلك التي كنا نسميها “العالم قرية صغيرة” !

يأتي هذا الباب (أميركا والعالم المسطح) في منتصف الكتاب تقريباً، وبعد أن انتهيت من قراءة نصفه الأول خطرت في بالي فكرة تلخيص الأبواب القادمة! وما لا يدرك كله لا يترك جله. فشرعت في التلخيص بنقل أهم الفقرات التي توجز الفكرة.
أميركا والعالم المسطح
أميركا والتجارة الحرة
يتحدث الكتاب كثيراً عن تلزيم الأعمال للخارج، بل يمكننا القول أن ذلك هو موضوع الكتاب، وهي عملية نقل الأعمال التي يمكن نقلها إلى أماكن تكون الكلفة فيها أقل –وما استنتجوه أصحاب الأعمال أيضاً أن الجودة تكون أعلى كذلك-، وهي الأعمال التي يمكن تحويلها إلى 0 و1، وهي كثيرة جداً، احتوى الكتاب على عدد كبير من الأمثلة، كمراكز الاتصال، وتصميم البرامج، وغيرها. وفي هذا الباب يناقش الكاتب تأثر الولايات المتحدة من هذه العملية، باعتبارها أحد العوامل التي يجب عدم إغفالها قبل اتخاذ أي وجهة نظر حول مكاسب أميركا من التجارة الحرة.
“السؤال الرئيسي لانسبة لي هو: هل تنقع التجارة الحرة أميركا ككل عندما يصبح العالم مسطحاً جداً ويستطيع عدد أكبر من الناس أن يتعاونوا، ويتنافسوا، مع أولادي؟ يبدو أن العديد من الوظائف ستصبح مفتوحة لمن يشاء. ألن يكون الأميركيون الأفراد أفضلاً حالاً إذا نصبت حكومتنا بعض الجدران ومنعت بعض التلزيم ونقل الأعمال؟”
ثم يناقش المؤلف الرأيين المختلفين حول تلزيم الأعمال، فرأي يرى أن تلزيم الأعمال لم يقتصر في مجال السلع، بل حتى الخدمات أصبحت قابلة للتبادل. وهذا يعني أن أمريكا ودول متقدمة أخرى ستتراجع تراجعاً مطلقاً وليس نسبياً في قوتها الاقتصادية ومستويات معيشتها. ورأي آخر يقول –وهو الرأي الذي ينتصر له المؤلف- : “قد تكون هناك مرحلة انتقالية في بعض الحقول، تتراجع خلالها الأجور، لكن ليس هناك سبب للاعتقاد بأن هذا الانخفاض سيكون دائماً أو في جميع المجالات … والقول إن هذا ما سيحدث هو إثارة لما يسمى نظرية كتلة العمالة، وهي فكرة ترى بأن هناك كتلة عمل ثابتة في العالم وأنه ما أن تُلتهم هذه الكتلة، من قبل الأميركيين أو الهنود أو اليابانيين، لن يكون هناك مزيد من الوظائف المعروضة. وإذا كان لدينا أكبر كتلة من العمل اليوم، وعرض بعد ذلك الهنود تأدية هذا العمل نفسه بتكلفة أقل، فسينالون قطعة أكبر من الكتلة، وسنحصل على قطعة أصغر”.
يواصل مفنداً هذه الحجة “إن السبب الرئيسي لخطأ نظرية كتلة العمل هو أنها تقوم على فرضية أن كل ما سيتخرع قد اختُرع، وأن المنافسة الاقتصادية لذلك مباراة ذات مجموع صفري، أي معركة على كتلة ثابتة”.
تلخص هذه الفقرة رأي الكاتب: “لذلك ستنجح أميركا ككل في العالم المسطح بالتجارة الحرة، شرط أن تواصل إنتاج عمال معرفة قادرين على إنتاج سلع قائمة على أفكار يمكن أن تباع عالمياً وبوسعهم شغل وظائف المعرفة التي ستُستحدث فيما نوسّع الاقتصاد العالمي ونربط بين كل مجموعات المعرفة في العالم. قد يكون هناك حد لعدد الوظائف الصناعية الجيدة في العالم، لكن ليس هناك حد لعدد الوظائف المولّدة عن طريق الفكر في العالم“.
البعيدون المنال
“هناك رسالة واحدة فقط: عليك الارتقاء بمهاراتك على الدوام. فسيكون هناك الكثير من الوظائف الجيدة في العالم المسطح التي يحصل عليها ذوو المعرفة والأفكار”.
يقدم الكاتب نصيحته لبناته: “نصيحتي إليهن في هذا العالم المسطح قيرة جداً وصريحة جداً: (يا بنات، حين كنت أكبر، كان أهلي يقولون لي، “طوم، أنهِ العشاء، الناس في الصين والهند جائعون”. نصيحتي إليكن: يا بنات، أنهين فروضكن المدرسية، الناس في الصين والهند جائعون لوظائفكن)”.
البعديون عن المنال هم الأشخاص الذين لا يمكن تلزيم وظائفهم –نقلها إلى الخارج-، ويقسمهم الكاتب إلى أربع فئات واسعة :
1- العمال “المتميزون“: أشخاص مثل مايكل جوردان، وبيل غيتس، وغيرهما، لديهم سوق عالمية لسلعهم وخدماتهم ويمكن أن يطلبوا أجوراً عالمية. وهم قلة قليلة.
2- العمال “المتخصصون“: ينطبق على كل أنواع عمال المعرفة، من المحامين المتخصصين والمحاسبين وجراحي الدماغ، إلى المصممين ومهندسي برمجيات الحاسوب المتقدمة.
3- العمال “المثبّتون“: الذين يجب أن يعملوا في موقع معين، كالحلاق، النادلة، طباخ، سباك، وغيرها كثير جداً.
4- العمال “المتكيّفون“: إذا لم تستطع أن تكون أحد الأنواع الثلاثة السابقة لئلا يلزم عملك إلى الخارج. عليك أن تصبح متكيفاً. عليك على الدوام أن تكتسب مهارات جديدة، ومعرفة، وخبرة تمكنك بشكل دائم من أن تكون قادراً على ابتكار القيمة – شيء أكثر من العمل العادي.
“(قابلة للاستبدال) كلمة يجب تذكرها، ففي عالم مسطح هناك “عمل قابل للاستبدال وعمل غير قابل للاستبدال”. العمل الذي يمكن أن يحوّل إلى أقرام بسهولة وينقل إلى مواقع الأجر المتدنية قابل للاستبدال. والعمل الذي لا يمكن أن يحوّل إلى أرقام أو يُستبدل بسهولة غير قابل للاستبدال. رمية مايكل جوردن أثناء القفز غير قابلة للاستبدال. وتقنية جراح مجازة القلب غير قابلة للاستبدال. وعمل عامل في خط تجميع للتلفزيونات قابل للاستبدال الآن. والمحاسبة الأساسية وتهيئة الضرائب قابلة للاستبدال الآن”.
ثم يذكر الكاتب أسرار صلصلة أميركا الحقيقية التي جعلتها في مكانة متقدمة في هذا العالم المسطح، ألخصها في نقاط :
1- الجامعات الأميركية ونظامها.
2- كفاءة أسواق رأس المال.
3- الانفتاح المطلق للمجتمع الأميركي.
4- نوعية حماية الملكية الفكرية الأميركية.
5- قانون العمل الأميريكي، الأمثر مرونة في العالم.
6- أكبر سوق استهلاكية محلية في العالم.
7- الاستقرار السياسي الأميركي.
8- أصبحت أميركا واحدة من نقاط الاجتماع العظيمة في العالم.
ولا أود أن يفوتني هنا نقل هذه الفقرة، لمعرفة الفرق في حصاد نظام تعليم الجامعات الأميركية مقارنة بغيرها من الجامعات، “وقد أجرى قسم الاقتصاد في بنك بوسطن دراسة حملت عنوان “إم آي تي[1]: تأثير الإبداع”. ومن بين استنتاجاتها أن خريجي MIT أسسوا أربعة آلاف شركة، مستحدثين 1.1 مليون وظيفة حول العالم على الأقل، ومولدين مبيعات تبلغ 232 مليار دولار“.
ويختم الكاتب هذا الفصل بإنذار الأميركيين: “هل ما زلنا نبذل الجهود؟ هل نهتم بأسرار صلصتنا؟ لا تزال أميركا تبدو عظيمة على الورق … لكن هل نستثمر حقاً في مستقبلنا ونهيئ أولادنا كما يجب للسباق المنتظر؟ … الجواب هو لا”. أتساءل هنا، ماذا عسى يكون جوابنا نحن ؟!
الأزمـة الصامتـة
“يتناول هذا الفصل كيف أننا نحن الأميركيون، على الصعيدين الفردي والجماعي، لم نكن نقوم بما يجب أن نقوم به وما الذي سيحدث على الطريق إذا لم نغيّر مسارنا”.
يركز الكاتب هنا على قضية طلبة الرياضيات الهندسة والعلوم والفيزياء، وتراجع نسبة الحاصلين على الشهادات العليا في هذه المجالات مقارنةً مع دول أخرى منافسة، وفي مقدمتها الصين والهند. ويتناول الموضوع بطرح ثلاثة أسرار قذرة –كما يسميها- تمثل الخطر الذي يواجه أميركا.
السر القذر الأول: هوّة الأعداد
”تشير عالمة الفيزياء شيرلي آن جاكسون إلى أن (التشدد النسبي على العلوم والهندسة أكبر في البلدان الأخرى –مما هو عليه في أميركا-). وتشكل شهادات العلوم والهندسة الآن 60% من كل الشهادات الممنوحة في الصين، و33% في كوريا الجنوبية، و41% في تايوان. بالمقابل، تبقة النسبة المئوية للذي يحصلون على شهادة في العلوم والهندسة في الولايا















لية.



